الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية الباجي قائد السبسي: بماذا سيذكره التاريخ؟ بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

نشر في  28 جويلية 2019  (13:38)

بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

مات الباجي قائد السبسي يوم 25 جويلية في ذكرى اعلان الجمهورية.
نترحم عليه صادقين و نعزّي التونسيين و ذويه فيه.
هو أوّل رئيس منتخب فعلا انتخابا مباشرا من التونسيين. 
لم يصل الحكم بتزييف الانتخابات بل بأصوات مليون و 700 الف منتخب تونسية وتونسي ودام في الحكم ليس بسلطة الجيش و لا البوليس، وهو نادر في بلاد العرب.
كان من بناة دولة الإستقلال و إن كان من الصفوف الخلفية وكان من رجال النظام البورقيبي بإيجابياته و سلبياته. لم يشارك في اسقاط بن علي بل كان لفترة عضو برلمانه و حتى رئيسه (1990-1994) وستعيده الثورة في 2011 الى المسرح السياسي كرئيس حكومة (22/02/2011-24/12/2011) ثم انتخابه كرئيس دولة في ديسمبر 2014 تحت شعار «النداء والنهضة خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا" حاملا لأمال من صوتوا له (و كاتب السطور هذه كان منهم) في أن يقلب صفحة الخراب الذي أوقعت فيه النهضة و شركاؤها (الترويكا) فيه البلاد وأن يعيد تونس لسكة الامل و ينقذها من الإرهاب و الفساد و ممن أجهضوا حلم التونسيين في الحرية و الكرامة.

فكان أول عمل قام به هو نكث وعده بعدم التحالف مع جماعة الإخوان و عقد مع شيخهم من وراء ظهر الجميع صفقة في باريس ليحكم حزباهما معا و كان ذاك القرار أول طعنة في المسار الديمقراطي و الذي يضرب مبدأ اساسيا في الأنظمة الديمقراطية وهي ان الحزب المنتصر يحكم و الحزب المنهزم يعارض، و دعك من تلك التعلات الواهية من أن البلاد لا يمكن ان تُحكم الا بالتوافق أو ان تونس كانت مهددة بحرب أهلية او ان الجبهة الشعبية رفضت عرض السبسي لدخول حكومتها.

فكانت حكومة هجينة يسيطر عليها الإخوان و مافيا الفساد و الإفساد، فلا اعادة النظر في التسميات المشبوهة التي أغرقت بها النهضة كل أجهزة الدولة قد تمت، بل فتح المجال لها أكثر للتوغل في دواليب الدولة وسمح لها بابتزاز الدولة و اعتبار المال العام غنيمة تتوزع مباشرة او عبر صنيعة الإخوان "هيأة الحقيقة و الكرامة".
صحيح أنّ الرئيس الباجي قائد السبسي لم يُسجل في عهدته فضائح كالتي جدت في عهد سابقه المروزقي، ولم تقع تعديات كبرى على حقوق الإنسان تحت حكمه و لم تتورط تونس في سياستها الخارجية كما وقع تحت الترويكا، لكن لم تصلح حكومة النداء والنهضة وحلفائهما ما اقترفوه تجاه سوريا و لم تتخلص من سيطرة دول خارجية كثيرة ، صحيح كذلك أن الدولة تعافت نسبيا و تراجع الإرهاب في عهده وصحيح أيضا أن الباجي قائد السبسي لم يسقط في تصريحاته وفي مواقفه مع الدول في سقطات وتصريحات مشينة كالتي كان عليها من لقبه التونسيون ب"الطرطور"، كان يمثل تونس كرجل دولة حقيقي dignement . واخيرا سيكتب التاريخ أن الرجل لم يسجل عليه سرقات من المال العام و ان كان قرّب ابنه وحاول توريثه و ساهم في تفتيت حزبه النداء الذي علق عليه كثير من التونسيين أمالا كبيرة. 
واكبر نقائص حكم الباجي قائد السبسي التي سيسجلها عليه التاريخ هو أنه لم يكن جادا في كشف خفايا اغتيال المناضلين شكري بلعيد و البراهمي رغم وعده للتونسيين و لعائلتي الفقيدين بأن يفعل كل ما في وسعه لذلك. و كان في وسعه أن يفعل. و حتى عندما جمع "المجلس الأعلى للأمن القومي " بعد انكشاف "الجهاز الخاص" و "'ارشيف الحجرة السوداء" لحزب النهضة لا شيء صدر عليه و لم تتحصل هيأة الدفاع في قضيتي بلعيد و البراهمي على شيء كذلك رغم استقباله لها و التزامه بتحريك الملف و هو يعلم و يدرك أنّ القضاء في ذاك الملف لم يكن من الإستقلالية ولا الشفافية ليُؤتمن على القضية.

ثم كان سيسجل له التاريخ أنه تقدم بالتشريع التونسي وأسس لمزيد تكريس الحريات للتونسيين و أنصف المرأة التونسية لو عمل على إقرار ما وصلت اليه "لجنة الحريات الفردية و المساواة" (الكوليب) و التي كان هو صاحب المبادرة في بعثها، لكنه تراجع أمام ضغط الإخوان و المتخلفين جمعاء.
الباجي قائد السبسي سيذكره التاريخ ليس ك"رجل دولة عظيم" أوك "سياسي مفوّه" كما يردد الذين تعودوا المدح او العاملين بقولة "أذكروا موتاكم بخير" ، حتى و ان لم ينفعوا ، سيذكره التاريخ انه كان رئيسا انتخبه التونسيون ليضع بلادهم على طريق الأمل و ينقذها من الفساد و اليأس و توفّاه الأجل وهي على أبواب المجهول و يتصارع على حكمها من لا يستحقون في أغلبهم.